في شأن حراك الريف: قراءة تحليلية في خطابات الزفزافي وتحركاته ومدى انسجامها مع المطالب المرفوعة

0

الشمال نيوز : م- م

لقد تناسلت قراءات ومواقف متباينة حول حراك الريف وحول الديناميات المعلنة والخفية التي يشتغل وفقها، وحول سقف مطالبه وما إلى ذلك من زوايا مختلفة. ولفهم نسق هذا الحراك، نكتفي في وجهة نظرنا كمتتبعين له، بتحليل خطاب قادة الحراك، خصوصا ناصر الزفزافي، كي نقوم بقياس أحد المؤشرات التي ستنبئنا عن جدوى استمرار الحراك من عدمه.

ففي الوقت الذي يثير فيه الخطاب الذي يلقيه ناصر الزفزافي من منصات المسيرات والتظاهرات إعجاب أنصاره، فإنه يثير انتقادات واسعة، تصدر عن نشطاء وسياسيين محليين وحقوقيين وفئة عريضة من المجتمع المحلي والوطني.

من خلال إطلالة صغيرة على محتويات الفيديوهات التي توثق كلماته في الحشود، يظهر بوضوح قدرته الواضحة على الخطابة، وإثارة مشاعر الحشود التي تحج إلى المسيرات والتظاهرات التي تدعو إليها قيادة الحراك، وبين الفينة والأخرى يمزج بين اللهجة الريفية المحلية والدارجة المغربية، وفي الوقت نفسه يوجه الخطاب مرتين؛ الأول إلى أنصاره من أبناء الريف الناطقين بالريفية، والثاني إلى المسؤولين وإلى متتبعي حركته في المدن المغربية الأخرى، وفي الخارج كذلك.

في البداية يحار المرء صراحة أين يمكنه تصنيف الرجل، هل هو إسلامي يستشهد بما يدخل في المرجعية الإسلامية بكثافة، أم ماركسي يستشهد بماركس ويتحدث عن الإيديولوجيات والاختلاف الإيديولوجي، وهل هو ضد البوليساريو الذين يستعملون خطابا عنصريا لتعبئتهم القبلية من زمان، ومع الوحدة الترابية للبلاد كاملة غير منقوصة، بما فيها سبتة ومليلية والجزر المحتلة، ومع وحدة نضال الشعب المغربي من أقصاه إلى أدناه من أجل التوزيع العادل للثروة والتنمية والديمقراطية، أم هو ظاهرة إقليمية مندرجة في أفق شوفيني، أو حسابات أخرى لها ارتباط بمهاجرين يخلطون الأوراق لغرض في نفس يعقوب ؟

نجد خطاب الزفزافي بعيدا عن التلقائية، وفيه ذكاء المناورة والتكتيك بالعزف على أوتار متعددة في نفس الوقت أو تباعا وتعمد الإحراج وجر الدولة والجيش والأمن إلى التدخل العنيف، الذي يريده دمويا ومخلفا للقتلى حسب ما تردد في كلمته الأخيرة مرارا وتكرارا، وبعد ذلك لسنا ندري ما هي التطورات المحتملة للخطاب ! إذ لماذا ينعت الزفزافي المغرب بـ”لاستعمار العروبي المغربي” ؟ ولماذا هذه الازدواجية في الخطاب، يقول إننا وطنيين ومغاربة وينعتون باقي المغاربة بالعروبيين والعبيد ؟ وما معنى الريف لا يركع في نظره ؟ وما معنى الاستعمار الإسباني أرحم بكثير ؟ والسؤال الأكبر: لماذا الإصرار على استمرار هذا الحراك ومحاولات تمديد رقعته في الوقت الذي بدا فيه مشكل الصحراء يخمد بفضل الانتصارات الديبلوماسية العديدة والباهرة التي تحققت ؟

أولا: قول ناصر الزفزافي بشكل متكرر أن الاستعمار الإسباني أهون من المخزن، فيه نوع من المداهنة والتمجيد للمستعمر الذي لن يختلف عقلان سويان في إدانة هذا الموقف، فالدولة الوطنية تبقى دولة وطنية، والاستعمار الغاشم يبقى استعمارا غاشما، و لم يسجل في تاريخ نضالات الأمم أن أشاد شعب بالاستعمار، فكيف لا يكون أبناء جلدتنا وملتنا أرحم بنا من الأجنبي ؟ وقد قال الله سبحانه وتعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين) صدق الله العظيم. ثم كيف يمكن أن يصدر هذا الكلام من شخص يدعي أنه يتخذ من أسلافه الريفيين وفي مقدمتهم المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي قدوة ومسارهم منهاجا وهم الذين استرخصوا دماءهم وحياتهم وضحوا بحرياتهم وبأغلى ما يملكون في هذه الحياة في سبيل استقلال الوطن والذود عن حياضه والدفاع عن حوزته ودحر المستعمر الغاشم ؟

ثانيا: ما يبعث على القلق أكثر هو حينما يصف ناصر الزفزافي في أكثر من مناسبة، تواجد الدولة من خلال أجهزتها وممثليها على غرار مجموع التراب الوطني بـ”الاستعمار العروبي”، ألم تكن عزة الأمة بالعروبة والإسلام ؟ ثم متى أصبحنا في المغرب نفرق بين العروبي والأمازيغي والصحراوي ؟ أم هذه نزعة عرقية انقسامية يؤسس لها خطاب ناصر الزفزافي، لكي يقول إن الريف هو جزء من أرض “تامزغا”، ليجد ذلك القول صدى في عقول البسطاء ممن لا يعون خطورة إثارة النزعات الطائفية المنطوية على العرق والقبيلة والأرض، وعلى حقوق الشعوب الأصلية وما إلى ذلك من بذور تفتيت الدولة الوطنية، الدولة /الأمة ؟ إن قول ذلك من باب التاريخ قد يجوز، لكن توظيفه في تعبئة الجماهير خطير جدا على وحدة الصف الوطني وتلاحم أبنائه.

نعم، لا يمكننا إلا أن نكون مع حراك يدعو لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وإلى توسيع مجال ممارسة الحريات واحترام حقوق الإنسان، لكن حق لنا أن نخشى على هذا البلد من كل ما يهدد وحدته ومستقبله، خاصة وأننا نعرف جيدا أنه مستهدف ليس فقط من طرف نظام بالجوار يحقد علينا، بل أيضا من قوى أخرى خارجية لها حساباتها وربما أحقادها هي أيضا. فالنعرات الإقليمية هي بوابة تخريب الأوطان والدول في المستقبل بعد هبوط النعرات الدينية، التي تبحث لها هي أيضا عن تموقعات جديدة، وما يسمى بما بعد الحداثة في السياسة والقانون يعني العودة إلى “الكومينوتارزم” أو القبلية اللذان قامت على أنقاضهما الدول الوطنية الحديثة في أوربا ثم خارجها.

ثالثا : فيما يخص الاستقواء بالفاعل الخارجي ، فهذا الأمر يتكررأيضا في خطاب ناصر الزفزافي، فمتى كانت، وعبر مر التاريخ، مساهمة الفاعل الخارجي ذات مصداقية وذات نتيجة حسنة في معالجة أي قضية وطنية ما ؟ الفاعل الخارجي يرتبط حتما ومطلقا بأجندة خاصة به أساسا، إذ لا وطنية ولا شعبية حيثما وجد أثر الفاعل الخارجي المقترن دوما بالدسائس المتربصة بالمصالح الوطنية المؤدية حتما إلى خراب الأوطان والشعوب، وهذا لا جدال فيه، فلا مجال للقول إذن أن لجان دعم حراك الريف في الخارج والمكونة من أبناء الشتات لا يخترقها أحد، إذ لا أجهزة استخبارات أجنبية معادية، ولا مجموعات ضغط، ولا جهات معادية لمصالح المغرب ستقف كلها متفرجة على هذه الفرصة المتاحة للتسخير والتأجيج والاختراق، فمجرد التفكير في عكس ذلك يعني عدم فهم دقيق لقواعد اللعب على المستوى الدولي.

رابعا: ماذا يعني الخروج إلى الشكل الاحتجاجي محاطا بحراس شخصيين بالنسبة لناصر الزفزافي؟ هل يعتقد أن يدا غاشمة ستطاله أمام الكاميرات والجماهير وفي واضحة النهار وفي نفس اليوم لمسيرة الخميس الماضي ؟ أكيد هذا مجرد فعل مسرحي ومفكر فيه جيدا من طرف من أوحوا له بذلك، لصنع وترويج الصورة النمطية للزعيم النجم الذي يتربص به العدو لإخماد تأثيره.ف نحن لسنا بصدد إخراج فعل درامي حتى يتم التفكير في هذه التفاصيل بهذا الشكل المعد للاستهلاك الإعلامي الداخلي والخارجي، فالحس السليم للمناضل وانسجام الأفكار النضالية مع الفعل النضالي يستوجب النأي بنا عن هذه الخرجات الهيتشكوكية، لأن تشي غيفارا نفسه الذي قاوم الإمبريالية بجلال عنفوانها لم يفعل ذلك. وبمناسبة ذكر تشي غيفارا لا تفوتنا الفرصة للتذكير أن ناصر الزفزافي حريص، بإيعاز أو بوعيه الخاص، على وضع قبعة شبيهة بتلك التي كان يضعها غيفارا لتسويق صورة الزعامة التاريخية المنحوتة في ذاكرة جيل بكامله عندما يتذكر الشكل الخارجي لتشي غيفارا، ويقوم بإسقاط على ناصر الزفزافي تلك الصورة في إطار تمثلات سيكولوجية لا علاقة لها بالواقع. إذن نحن أمام آلة إعلامية خفية تتجاوز قدرات ناصر الزفزافي وإمكانياته الذاتية للتحكم في الحراك وترشيد الفعل الاحتجاجي الذي ساهم في خروجه إلى الفضاء العام بهذا الشكل.

خامسا: يتعين إثارة ملاحظة غاية في الدقة، ألا وهي كون ناصر الزفزافي هو موضوع وبؤرة وهدف كل الصور الملتقطة بالسلفيات من طرف هواتف المشاركين في المسيرات والاحتجاجات والجلسات الخاصة، إلا صورة وحيدة وفريدة التقطها ناصر الزفزافي بنفسه بهاتفه الشخصي، و مع من ؟ مع مايسة سلامة الناجي، الفتاة الثورية الحسناء المثيرة للجدل، و كأن حال لسان هذا الحراك يقول: لكي تكتمل الصورة البطولية يجب وضع البطل بجانب البطلة الحسناء المثيرة ! إنه إخراج هوليودي يهدف إلى التأثير على سيكولوجية الشباب وإثارة اندفاعهم.

سادسا: قسم الوفاء للحراك هو التزام بالنسبة للشباب المشارك فيه، ولكن بالنسبة لناصر الزفزافي الذي جال الريف ليستحلف الشباب، هو بمثابة انتزاع الولاء لشخصه وليس الوفاء لروح الحراك.

سابعا: المتتبع للحراك والملاحظ أن المطالب المرفوعة عادلة ومشروعة، ولا تتجاوز الجيل الأول أو الثاني لحقوق الإنسان، لكن خطاب الزفزافي يتسم دوما بحدة لا مبرر لها، تجعل البعض يتساءل حول غياب التناسب بين المطالب المرفوعة، التي هي عادلة ومشروعة، وبين الخطاب المستعمل، لأن هذا الأمر يخلق غموضا وضبابية في الموقف. الحدة في الخطاب تجاه من يصنفهم الزفزافي خصوما له، تكررت بوضوح في مسيرة يوم الخميس الماضي، حيث استعمل عبارات قدحية جارحة مثل وصف مسؤولين بـ”مجموعة بلطجية”، وتوجيه اتهامات بوجود تصفية للحسابات بين أفراد في المحيط الملكي. وفي موقع آخر، قال الزفزافي، في تصريح للصحافة قبيل بدء المسيرة، إنه “لا يطلب الحوار مع هذه الحكومة”، وهو ما يثير التباسا، حيث تؤكد بيانات لجنة الإعلام والتواصل رغبة قيادة الحراك في الحوار، وفي الوقت نفسه يعلن الزفزافي أنه لا يريد محاورة الحكومة. انتقادات الزفزافي الحادة لا تقتصرعلى الحكومة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني، بل تصل أحيانا إلى من كانوا نشطاء في الحراك كذلك، وتراجعوا بسبب خلافات. أحد هؤلاء اتهمه بـ”العمالة للمخزن”، وآخر يوجه له أصابع الاتهام كون شقيقه حصل على رخصة نقل بتعليمات ملكية.

كل هذه العناصر التي تطرقنا إليها ، يجب فهمها في العمق، لنكتشف أن هذه بداية مؤامرة على الدولة الوطنية، الدولة/ الأمة، لضرب مفاصل الاستقرار في البلاد. فإذا كانت لزعماء ومخططي الظل للحراك مطالب اقتصادية، اجتماعية وثقافية محضة كما يدعون، فإن غدا لناظره قريب. “انظر وانتظر” كما يقول البريطانيون، إذا بادرت الدولة للاستجابة للمطالب، وهو ما يتأكد أنه جاري على أرض الواقع، فكفى الله البلد شر المؤامرات، وإذا لم تستجب كليا للمطالب، فلكل مقام آنذاك مقال.

عدد المشاهدات : 1,369
شارك.

اترك رد