بين مخططات الدولة وتصورات أبناء المنطقة وظهور جهات “خارجية”.. إلى أين يتجه حراك الريف ؟

0
بقلم  م.المرابط-الحسيمة

في إطار مواكبتنا المستمرة وتتبعنا الدقيق لتطورات الحراك الشعبي بمنطقة الريف، وبإقليم الحسيمة بشكل خاص، منذ انطلاق شرارته الأولى قبل حوالي سبعة أشهر إثر مقتل الشهيد محسن فكري، وما رافقه من جدل وشد وجذب، طفت على السطح مؤخرا دعوات أصدرتها بعض الجهات لتأسيس ما أسمتها “لجان دعم ومؤازرة حراك الريف” ببعض المدن الأخرى، كما هو الشأن بتطوان، وهو ما يجعل تساؤلا عريضا يتبادر إلى الذهن بشكل تلقائي” أين كانت هذه الأصوات منذ سبعة أشهر لم يسمع لها همس وأبناء الحسيمة يخرجون بالآلاف في تظاهرات تناقلتها قنوات ومنابر عالمية وقد بحت حناجرهم بشعارات تطالب الدولة بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية المهضومة، في الوقت الذي انتهجت تجاههم جل المنابر الإعلامية الوطنية سياسة التعتيم الممنهج ؟ وأين كانت هذه الأصوات مختبئة طيلة هذه المدة لتظهر بهذا الشكل المفاجئ وفي هذا التوقيت بالذات ؟ ومن طلب منها من نشطاء الحراك بالحسيمة ومن أبناء الإقليم عموما دعمهم ومؤازرتهم أصلا ؟

إن ظهور هذه الدعوات الصادرة من أصوات نشاز لا يخفى على أحد طبيعة الأجندة التي تخدمها والجهات التي تعمل لصالحها، وفي هذا التوقيت بالذات، لتنادي بتأسيس لجان الدعم وتنظيم وقفات احتجاجية هنا وهناك تحت يافطة مؤازرة حراك الريف، له تفسير واحد ووحيد، ألا وهو اتخاذ حراك الريف مطية للارتزاق والركوب على مطالبه بعدما ظهرت أولى بوادر الاستجابة له من طرف الدولة بعد صموده الطويل، وذلك بإعلانها (الدولة) عن جملة إجراءات ومشاريع تنموية في مختلف القطاعات ستباشر تنزيلها بالمنطقة، منها ما تم الشروع في تنزيله بالفعل، ومنها ما ينتظر إعطاء انطلاقة أشغاله خلال الأسابيع القليلة المقبلة، لتظهر هذه الجهات بمظهر البطل المنتصر لمطالب أبناء المنطقة والمتبني لملفهم والمدافع عن صوتهم والمترافع عن حقوقهم وأنه بفضل ضغطهم المزعوم تمت الاستجابة لجملة من مطالبهم، وهي سياسة قديمة دأبت هذه الجهات المشبوهة على سلكها كلما تعلق الأمر بحركة احتجاجية أو ملف اجتماعي أو قضية ذات بعد وطني أو محلي…

لكن هذا لا يعفينا من الإجابة عن بعض التساؤلات التي باتت تطرح بشدة في الآونة الأخيرة، حول جدوائية إصرار قادة ونشطاء الحراك بالريف على الإبقاء على ضغط الشارع، إذا كان الهدف الأسمى للحراك هو إسماع صوتهم للجهات المعنية ومطالبة الدولة بالاستجابة الفورية لملفهم المطلبي، مادامت الدولة قد رضخت في الأخير لمطالبهم وشرعت في تنزيل الحيز الأكبر منها كبادرة أولى لحسن نيتها تجاه المنطقة وأبنائها…، هنا دعونا نصخ السمع قليلا إلى هؤلاء المحتجين الذين لا ينكر أحد الدروس التي قدموها للعالم في الاحتجاج السلمي والحضاري وحماية المرافق والمؤسسات: يقولون إن المصالحة مع منطقة الريف لم تتم يوما وأن صيغتها كانت محرفة، وعوض أن تتصالح الدولة مع التاريخ والجغرافيا تصالحت مع الأشخاص، واعتقدت لأكثر من عقد أن مجرد اعترافات بسيطة لبضع أشخاص وأعيان ينتمون إلى المنطقة كافية لتحقيق المصالحة، وهذا تصور خاطئ تماما؛ يقولون إن الريف كان على الدوام منطقة تخيف الدولة بفعل رواسب الماضي وماضي “الجمهورية” التي أسسها المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، وظل هذا الهاجس ثاويا في وعي ولا وعي الدولة مع ما ترتب عنه من مقاربة أمنية متعسفة في الكثير من الأحيان تجلت بالأساس في الطريقة التي ووجهت بها أحداث 58/59 والتدخل في أحداث الثمانينيات من القرن الماضي والحملة ضد مزارعي الكيف بعد صدور التقرير الأوربي الشهير في التسعينيات؛ يقولون إن المنطقة عاشت ولاتزال تعيش إلى اليوم حصارا اقتصاديا واجتماعيا رهيبا، فلا تحويل العملة الصعبة بقي ثابتا ينقذ العائلات من الفقر والضياع، ولا قطاع الصيد البحري حرك العجلة الاقتصادية بالإقليم، ولا قطاع السياحة ذات الطابع الموسمي حقق إقلاعا تنمويا بالمنطقة، والمحصلة أن أبناء وشباب المنطقة ضاعوا في كل شيء؛ ضاعوا في الشغل وفي الهجرة وفي الحلم أيضا؛ يقولون إن الكرامة غير قابلة للتفاوض ولا للمساومة، وأن المصالحة ليست في حاجة إلى وساطات، وإذا كانت الدولة تمتلك بالفعل إرادة حقيقية لإصلاح الأوضاع فعليها أن تشرع في مصالحة سياسية واقتصادية شاملة؛ يقولون إن الأحوال قد تغيرت على نحو ما منذ وصول الملك محمد السادس إلى العرش، لكن هذا التحول لم يمس البنية الذهنية للمسؤولين الكبار للدولة، وظلت الصورة النمطية عن الريف والريفيين منحوتة لدى الجميع حتى أولئك الذين كنا نحسبهم عقلاء وتجاوزوا منطق القبلية في القرن الواحد والعشرين، وليس غريبا أن تسمع من أناس عاديين على هامش شغب لشباب مفتونين بكرة القدم بأن هؤلاء “مساخيط سيدنا”، ولا أحد ينكر أن أجهزة الدولة اجتهدت كثيرا في نحت صورة “الريفي البربري” تاجر الكيف المهرب الراغب في قلب النظام وإسقاطه. إنها نتاج تربية طويلة إلى درجة أنها صارت عقيدة لدى الكثيرين، وليس سهلا بعد كل هذا الحصار والتهميش أن تغير الذهنيات أو تحدثا ارتجاجا في العقليات، وإذا كانت الدولة قد راهنت على تغير الأجيال لإحداث نوع من القطيعة مع الماضي، فإن الحراك الأخير ذي النفس الطويل بين بشكل لا يفسح أي مجال للشك أو للتأويل أن الرهان كان خاسرا جدا. لقد حملوا نفس الشعارات ونفس المطالب التي رفعها جيل الخمسينيات من القرن العشرين، ونفس الإحساس بالتهميش والحكرة مع اختلافات بسيطة جدا، ورددوا خطابات تشبه نفس الخطابات التي رفعت قبل ستين عاما خلت. وبالعودة إلى الملف المطلبي الذي تم تسطيره من قبل نشطاء الحراك بناء على النقاشات التي خاضوها مع الجماهير الشعبية على مستوى مدينة الحسيمة وعلى مستوى باقي مناطق الإقليم والنواحي، نجده يتضمن شقين أساسيين: شق حقوقي وشق اقتصادي اجتماعي ثقافي، منها ما هو استعجالي ومنها ما هو عادي، وتبقى أبرزها إحداث نواة جامعية ومعاهد عليا في عدة تخصصات، وبناء مركز استشفائي متكامل التخصصات ومستشفى خاص بمعالجة داء السرطان وتجهيزهما بشتى المستلزمات اللوجيستية والطبية والمرفقية، ورفع حقيقي للتهميش والحصار الاقتصادي عن المنطقة وذلك بإنشاء منصة صناعية وخلق برامج طموحة وحقيقية للقضاء على البطالة التي يرزح تحت وطأتها أزيد من 95% من شباب الإقليم مع تقديم تحفيزات للمستثمرين لخلق فرص الشغل بالمنطقة، إضافة إلى مطالب أخرى في المجال الاجتماعي والثقافي والسياحي والصحي والرياضي والتعليمي والبنيات التحتية.

وأمام استمرارية ضغط الشارع والنفس الطويل الذي اتسم به الحراك الشعبي بالمنطقة وشروعه في التمدد نحو باقي مراكز الإقليم، حتى أضحينا نسمع عن تشكيل تنسيقيات للحراك بجماعات قروية ومداشر نائية تحت إشراف التنسيقية المركزية بالحسيمة، واتساع رقعة الاحتجاجات مؤخرا لتشمل مناطق تابعة لإقليمي الدريوش والناظور، لم تجد الدولة من بد سوى الرضوخ لحراك الشارع والشروع في التنزيل الفوري لعدد من المشاريع التنموية بالمنطقة بأغلفة مالية كبيرة، استجابة لمعظم المطالب ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية المسطرة في الملف المطلبي للحراك، بعد سلسلة من الزيارات التي قام بها مسؤولون حكوميون للمنطقة والنزول الميداني اليومي لوالي الجهة وتواصله المباشر مع الساكنة، فهل تمتلك الدولة إرادة سياسية حقيقية لتدشين مصالحة شاملة مع المنطقة، خاصة إذا علمنا أن أصل الداء يكمن في فقدان أبناء الريف للثقة في المؤسسات والأحزاب السياسية والهيئات المدنية، وبالتالي فإن أي خطوة من لدن الدولة تروم تصحيح الوضع وطي صفحة الماضي تتطلب إرادة سياسية قوية من طرف أصحاب القرار ؟ وماذا تعتزم الدولة فعله بالمنطقة بعدما بات التراجع عن الاحتجاج من سابع المستحيلات لدى نشطاء الحراك ؟

لنستمع أيضا للدولة في شخص مسؤوليها بهذا الشأن: تقول أنها شرعت في تنزيل مخطط تنموي ضخم بالمنطقة خصصت له غلاف مالي بقيمة 9 مليار درهم في الفترة الممتدة من 2017 إلى 2019، وهو في نظرها مبلغ كبير بالنظر إلى المدة الزمنية المحدودة، وجل المشاريع المبرمجة، منها ما تم الشروع في تنزيله ومنها ما ينتظر الشروع فيه بعد شهر على الأكثر، متضمنة في الملف المطلبي للحراك، منها البرنامج المتعلق بتقليص الفوارق الترابية الذي رصد له غلاف مالي يناهز ملياري درهم ، وبخصوص القطاع الصحي، فإن مدينة الحسيمة ستتوفر في القريب العاجل على مركز استشفائي إقليمي كبير خصص له غلاف مالي قدره 250 مليون درهم، والذي أطلقت أشغال إنجازه، كما ستتوفر أيضا على مستشفى خاص بمعالجة داء السرطان الذي خصص له غلاف قدره 120 مليون درهم، فضلا عم مستشفى كبير متعدد الاختصاصات سيفتح أبوابه نهاية السنة الجارية بإمزورن، مما سيعزز البنيات التحتية الصحية بالإقليم، وفي قطاع التربية والتكوين، تم تسجيل أن ثلاث مؤسسات للتكوين المهني ستبدأ في العمل هذه السنة ببني بوعياش وإساكن وترجيست، والتي تأتي لتنضاف إلى مؤسسات أخرى قيد العمل، إضافة إلى إنشاء مرفقين جامعيين جديدين (كلية الحقوق والمدرسة العليا للتجارة والتسيير) لينضافا إلى كلية العلوم والتقنيات والمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية المتواجدتين حاليا في أفق إنشاء جامعة متكاملة التخصصات، كما أن ما لا يقل عن 600 حجرة من حجرات البناء المفكك سيتم تعويضها، ومباشرة عمليات إصلاح وتهيئة العديد من المدارس والداخليات، وفتح مختلف التخصصات والشعب والمسالك التعليمية المعتمدة من طرف وزارة التربية الوطنية، خاصة التخصصات التقنية والعلمية، وبناء مركز للتكوين في المهن السياحية بمدينة الحسيمة؛ ولسد العجز الحاصل في الموارد المائية، سيتم إنجاز سد كبير بغلاف مالي قدره 1,3 مليار درهم والذي سيستغل في التزويد بالماء الصالح للشرب وفي الري، كما سيتم في هذا الصدد إطلاق محطة لتحلية مياه البحر الشهر المقبل بغلاف يفوق 300 مليون درهم؛ وفي المجال الفلاحي سيتم غرس 12 ألف هكتار من الأشجار المثمرة، بالنظر إلى النجاح الكبير الذي حققته هذه السلسة على مستوى الإقليم، وللنهوض بالقطاع الرياضي بالمنطقة، تمت برمجة عدة مشاريع منها المدينة الرياضية المبرمجة في بلدة أيت قمرة، وإنشاء مركب رياضي كبير بمواصفات دولية بقيمة 650 مليون درهم، ومسبح أولمبي، و5 قاعات مغطاة متعددة الرياضات، فضلا عن أزيد من 30 ملعبا للقرب؛ كما أن 15 مركزا قرويا صاعدا سيحظى بعملية تأهيل شاملة بغلاف مالي يناهز مليار درهم، علاوة على مباشرة الأشغال في عدة مسالك وبنيات تحتية طرقية مهيكلة، أبرزها الطريق التي ستربط ترجيست بكلايريس ، والتي ستسهل الولوج المباشر للطريق المتوسطية لجزء كبير من الساكنة، وتثنية الطريق الوطنية رقم 2 الرابطة بين الحسيمة وتطوان عبر ترجيست وإساكن، وإتمام الطريق السريع بين الحسيمة وتازة في نهاية السنة الجارية؛ وفي ما يتعلق بالنهوض بالاستثمار والتشغيل، سجلت الدولة وجود برنامج طموح يهم تقديم تحفيزات جد هامة للمستثمرين بتوفير الوعاء العقاري لهم لإقامة مشاريع تروم توفير فرص الشغل لشباب المنطقة وتمتيعهم بتخفيضات ضريبية، وتمتيع المقاولين الشباب وحاملي المشاريع بتسهيلات إدارية وجبائية، فضلا عن الإسراع في تنفيذ أشغال المنطقة الصناعية المخصصة للمهنيين والحرفيين، إضافة إلى مبادرات أخرى ستطلقها الدولة لجعل مدينة الحسيمة جذابة وتنافسية، منها على الخصوص تلك المتعلقة ببناء فنادق وميناء ترفيهي، ومراكز للإيواء…، وفي هذا الإطار يقول المسؤولون المعنيون أن المطلوب اليوم هو أن ينخرط الجميع (ساكنة ومنتخبين ومصالح خارجية) للنهوض بهذه المنطقة التي تتطلع إلى مستقبل واعد، إذ أنها اليوم في حاجة إلى تكثيف جهود التسويق لجذب مزيد من الاستثمارات.

انطلاقا من كل ما سبق ذكره، أعتقد أن المنطق يقتضي في اللحظة الراهنة فسح المجال للدولة لتنزيل المطالب على أرض الواقع، وبالتالي يتأتى لقادة الحراك ونشطائه تقييم مدى جدية الدولة في التعاطي الإيجابي مع المطالب، فكما كان للحراك مناخ مناسب ليتبلور ويتخذ الأشكال التي نتابعها حاليا، فكذلك أيضا استجابة الدولة للمطالب يلزمها توفير مناخ للعمل وتفعيل الإجراءات التي تتوخى إنجازات قابلة للتقييم فيما بعد، وهذا لا يعني بأي وجه من الوجوه التراجع أو الكف نهائيا عن الفعل الاحتجاجي الذي لولاه لما رأت المشاريع التي ذكرناها النور، ولكن التكتيك النضالي يستلزم إعطاء الفرصة لرؤية مدى جدية الدولة في تنزيل أولى مطالب الحراك على أرض الواقع، مع حرص نشطاء الحراك على مراقبة وتتبع الأشغال ومدى احترامها للشروط القانونية والآجال المحددة لها، وهم يتوفرون دوما على ورقة ضغط بإمكانهم رفعها في وجه الدولة في أية لحظة تم فيها الإخلال بالواجب، فضلا عن كون حيز كبير من المطالب المسطرة لم يتم الاستجابة لها بعد، لكن وكما يقول المثل فإن “الموت وحده هو الذي يحل فجأة و في آن”. وحبذا لو تم تحويل تنسيقيات الحراك إلى لجان أو تنسيقيات لرصد وتتبع المشاريع المبرمجة في الوقت الراهن، أما أن يحرص قادة الحراك على الإبقاء على غليان الشارع رغم ما تم الإعلان عنه وما نراه من انطلاق فعلي لأشغال مشاريع وبداية دراسات تقنية لإنجاز ما تمت المطالبة به، فأظن أن النزاهة النضالية تقتضي مراجعة هذا الموقف وبلورة رؤية جديدة للحراك، وتفويت الفرصة عن عشاق الركوب على الملفات والقضايا العادلة، من قبيل تلك الأصوات المدفوعة من جهات مشبوهة والتي خرجت من جحورها بعد بيات شتوي طويل لتعلن أنها بصدد تأسيس لجان دعم حراك الريف كما هو الشأن بتطوان، وكأن حراك الريف يحتاج فعلا إلى دعم ومؤازرة وهو الذي أثبت صموده وقدرته على انتزاع حقوقه رغم كل ما مورس عليه من تضييق وحصار إعلامي وما وجهت له من تهم التخوين والانفصال وغيرها في محاولات يائسة لكسر شوكته. فالحراك ولد ريفيا، ليس بالمنطق القبلي أو الطائفي طبعا، واستمر ريفيا ولا يمكن له إلا أن يكون كذلك، وأي محاولة لاستنساخ تجربته في أي منطقة أخرى سيكون مصيرها الفشل الذريع، ولنا في حراك 20 فبراير 2011 خير تجربة ومثال.

عدد المشاهدات : 967
شارك.

اترك رد